الشيخ محمد زاهد الكوثري

195

العقيدة وعلم الكلام ( ويليه نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى ( ع ) قبل الآخرة و . . . )

والقمر واحد ، لكن لما جمعه مع الشمس سماهما قمرين . وكأنه تعالى لما علم من الكفار ومنكم أن تجعلوا معه غيره خالقا قال : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] على زعمهم أن معه غيره ، وهذا كقوله تعالى : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الرّوم : 27 ] على زعمكم ، لأن عندهم أن النشأة أهون من الإعادة ، فذكر ذلك على سبيل الرد عليهم والإنكار لقولهم إن معه خالقا غيره ، لا أنه أثبت معه خالقا غيره . جواب آخر : وذلك أن لفظة أفعل في كلام العرب : يراد بها إثبات الحكم لأحد المذكورين وسلبه الآخر من كل وجه ، وذلك في قوله تعالى : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ( 24 ) [ الفرقان : 24 ] فأثبت حسن المقيل لأهل الجنة ، مع حسن المستقر ، وسلب ذلك عن أهل النار أصلا ورأسا ، لأن أهل النار ليس لهم حسن مستقر ولا حسن مقيل ، فكذلك قوله تعالى : أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] أثبت الخلق له وأنه هو المنفرد به دون غيره . وكذلك يقول القائل : العسل أحلى من الخل لا يريد أن للخل حلاوة بوجه ، بل يريد إثبات الحلاوة للعسل وسلبها عن الخل أصلا ، ورأسا ، فكذلك قوله : أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 14 ] أثبت الخلق له دون غيره . فإن احتجوا بقوله تعالى : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [ الملك : 3 ] فكيف يجوز أن يكون خالقا لكفر الكافرين ، وعصيان العاصين ، وفيه من التفاوت غير قليل . فالجواب : أن هذا سوء فهم ، وذلك أن هذا أراد به سبحانه وتعالى خلق السماوات في الصورة ، وأنه ليس فيها فطور ولا شقوق ، أجمع المفسرون على ذلك ، فلا حجة لكم فيها ، ثم إن أول الآية حجة عليكم ، لأنه قال : خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [ الملك : 2 ] وبين الموت والحياة تفاوت ، وهو خالق الجميع لا خالق لذلك غيره ، فكذلك كفر الكافرين وإيمان المؤمنين وإن كان بينهما تفاوت في الحكم فليس بينهما تفاوت في الإيجاد والاختراع وإحكام الخلق ، فصحّ أن الآية حجة عليهم لا لهم . فإن احتجوا بقوله تعالى : فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [ القصص : 15 ] فلو كان اللّه الخالق لوكزة موسى لقال : هذا من عمل الرّحمن ، الجواب من وجهين : أحدهما : أن قول موسى هذا القول على وجه الأدب ، أي : إني أرتكب ما نهيت عنه من شره النفس ووسوسة الشيطان ، ألا تراه قال في ضلال السبعين من قومه